البخاري
تصدير 80
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
ورأيناه أستاذا نابها ، موثوقا بعلمه ، مرموقا في كل مكان ، فيستوقفه الناس في الطّرقات ليكتبوا عنه ، ويجلس إليه الشيوخ والأقران ليفيدوا منه ، ويكثر عدد تلاميذه حتّى ليعدون بعشرات الألوف . ورأيناه مؤلّفا موهوبا ، خصيبا في نتاجه ، حصيفا في تأليفه ، فيخرج من عديد كتبه ما يستوعب فروع تخصّصه ، ويتجهز لكل كتاب بما وسعته كفايته من مادة علمه ، ويأخذ نفسه في تأليفه بالأناة والصبر ، ويعاوده المرة بعد المرة بالمراجعة والنظر ، وبالتنقيح والتهذيب ، حتى يبلغ به الرضا عن نفسه ، ومن نفوس العلماء . * * * [ كان شجاع الرأي ، جريئا في الحق ، فلا يجمجم على الخطأ مهما يكن مصدره ] وقد وجد هذا الكمال العلمي عند البخاري ما يؤازره ويجمله من كمال نفسه ، فقد كان - رحمه اللّه - إنسانا سويّا ، عظيم الخلق ، رضى السلوك مع الناس ومع اللّه ، وبذلك تواشجت عناصر شخصيته ، وتلاقت على الرشد ، واستوفت حظّها من صفات العلماء والأبرار . فقد كان شجاع الرأي ، جريئا في الحق ، فلا يجمجم على الخطأ مهما يكن مصدره ، ولا يقدم على تصويبه ولكن يبادر ببيان حاله قبل أن يجوز على عقول شهوده ، ولهذه الشجاعة العلمية كان لا يصبر على أغلاط شيوخه ، بل يسارع بالتنبيه عليها قبل أن تمر ويظنها الحاضرون صوابا ، وكانت هذه السنة شعاره منذ صغره ، وعليها بادر باعتراض شيخه الداخلي حينما أخطأ في سند حديث ، وقد حدث عن نفسه فيما رواه محمّد بن أبي حاتم ، قال : « . . . خرجت من الكتاب ، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره ، فقال يوما فيما يقرأ للناس : سفيان عن